عربستان دياسبورا العرب المنسية - جزء الأول

 قبل البدء في الحديث عن معاناة شعب عربستان التاريخية، نتوقف على عجالة لتوضيح وتعريف مقتضب لكلمة دياسبورا diaspora الاغريقية الاصل وتعني الشتات، التي ارتبطت في ذهن العرب بالشتات اليهودي والفلسطيني، غير ان الشتات والتشريد القسري بسبب الحروب او لاسباب طبيعية ومحن مجتمعية متنوعة وكثيرة في الجنس البشري، فالى جانب الشتات التاريخي لليهود بعد انهيار المعبد، عرف اليونانيون رحيل وشتات واسع بعد سقوط القسطنطينية، التي كانت أحد مراكز حضارتهم المعروفة في الجزء الاسيوي، كما عرف السود الافارقة مع تجارة العبيد ترحيلا وشتاتا من قارتهم عبر الاطلنطي، وتم ترحيل الصينيين ونقلهم من جنوب الصين والهنود من مناطق في الهند الى جنوب اسيا في حقبة تصدير العمالة الرخيصة (cooli trade)، كما عرف التاريخ تشرد الايرلنديين في الشتات في كارثتهم مع المجاعة.

اما في منتصف القرن العشرين فقد شهد عرب فلسطين محنتهم الكبرى عام 1948 وتشتتهم في العالم.
وفي عمق مفردة الشتات تكمن حقيقة حالة وظاهرة التذويب والاستيعاب والاستيطان والتلاشي الممكن للهوية في مراحل استعمارية وامبريالية شهدها المجتمع الانساني، غير انني وانا انقب في الشبكة العنكبوتية، وجدت صمتا وتواطؤ عالمي عن شعوب وهويات عانت بشكل اسوأ واطول واكثر ابادة ومعاناة وليس وحدهم الفلسطينيين في القرن العشرين، اذ لم يتم التوقف عند الحالة الارمينية، التي شهدت ابادة اوسع من ما شهده عرب فلسطين، كما عانا البلوش والاكراد وعرب عربستان اشد الويلات في طمس هويتهم حتى بتنا لفترة طويلة لا نسمع الا لماما وقليلا عن اخبار وحياة تلك الهويات الثلاث وغيرهم حيث مورست «سياسة الصمت المطبق!».

وبما ان الموضوع متشعب حديثه يتمحور في مأساة عربستان كقضية عربية وانسانية، وجدنا ان الجامعة العربية والاحزاب العربية والمؤسسات المتعددة والمجتمع المدني ظلت تتعامل معها وكأنها قضية هامشية ترد في موجز الانباء وتنسى بسرعة وتعود للتذكر في المناسبات كقصيدة شعر عربية بائسة.
فاذا ما كان شتات ومعاناة الفلسطينيين بدأت مع عام التقسيم 1948 بالمعنى الحقيقي، فإن معاناة اهل عربستان بدأت ما قبل الحرب العالمية الاولى، غير انها تبلورت واتضحت معالمها في الخارطة الدولية اثناء الصراع بين بريطانيا وايران والامبرياليات الاخرى بما فيها القيصرية، حيث سيشكل مادة النفط كطاقة عالمية مهمة للعقود القادمة، وكانت مسوحات النفط الاولية تبشر بأن منطقة الاهواز تجلس على بحيرة من نفط وغاز المستقبل.

واذا ما عرفنا سر الصراع العالمي وتشكيل خارطته الجديدة بعد الحرب العالمية الاولى، علينا ان نفتش عن النفط كاهم مصلحة استراتيجية ستجعل من قوى مالية من وراء المحيط الاطلسي تطل بمؤامرتها ووجودها قبل ان يصبح الشرق الاوسط ساحتها الدائمة والحيوية.

الجريمة السياسية الكبرى ان الجميع تآمر وصمت صمتا مطبقا عن ذلك الشعب تاركا قدره للريح بين اظافر واطماع القوى الكبرى، وكان على الانظمة العربية التي عاشت تحت حكم الاستعمار ان تغلق ذلك الباب، فيما الانظمة الثورية والوطنية في المنطقة لم تكن احسن حالا، فكانت تقدم الفتات والدعم السياسي والمعنوي الخجول، ولم تبرز القضية العربستانية كقضية هوية وعروبة وتاريخ إلا في مرحلة صدام كحقيقة تاريخية، وكان على البعث ان يتاجر بها كورقة حالها حال كل الاوراق السياسية في المنطقة. وكانت عربستان رقعة الشطرنج المعقدة في الصراع الاقليمي بين ضفتي فارس والعرب وبريطانيا بسبب رائحة النفط، الذي بلعت ريقها المملكة العظمى حين ذاك كمتصدر ومهيمن على مكامن النفط في المنطقة.

المصدر :الأيام 

www.alayam.com/Article/courts-article/404089/عربستان-دياسبورا-العرب-المنسية-1ـ6.html