بني
طرف
عرض وترجمة : جاير
احمد
جابر احمد
اثارت مقولة المجتمع المدني التي
طرحها السيد محمد خاتمي رئيس الجمهورية الاسلامية في بداية توليه الدورة الثانية
للراسة ، الكثير من الاستفسارات وردود الافعال وصدر حولها الكثير من البحوث
والمقالات التي تناولت جوانب عديدة من صورة المجتمع المدني التي من المفروض ان
تتوفر فيه حرية الراي والتعبير والعقيدة
وتشكيل الاحزاب والاتحادات والمنظمات المستقلة ، وضمان الحريات
العامة والفردية والمساواة بين افراد المجتمع من كل
الجنسين.
الا ان هذه البحوث رغم اهميتها ،اهملت جانبا مهما من جوانب المجتمع المدني ،
وهو التطرق الى المسالة القومية وكيفية التعامل معها وايجاد الحلول المناسبة لها
وبالتالي فتح صفحة جديدة في تاريخ ايران المعاصر تكون خالية من التميز والاضطهاد
القومي .
الا ان هذه الاطروحات التي اطلقها
الرئيس ، ونتيجة لما يشرعنه نظام ولاية الفقيه باعتباره الحاكم باسم الله في الارض
يتعارض كليا مع قوانيين واطروحات المجتمع
المدني ويبدو ان اطلاقها ماهو الا من اجل ذر الرماد في العيون وقد اثبتت
الايام فشلها و استنفاذ جميع فرصها في
النجاح ، وقد بينا ذلك في مقالتنا المترجمة والمنشورة على هذا الموقع وتحت عنوان " المجتمع المدني في ايران "
.
وجاءت مقالة الاديب و المفكروالباحث
الاهوازي المعروف السيد يوسف عزيزي ليتناول من خلالها المسالة القومية من منظور
المجتمع المدني وحل هذه المسألة بالسبل والوسائل الديمقراطية بعيدا عن الانفعال
والاحكام المسبقة .
لقد نشرت هذه المقالة من قبل ، في
جريدة الزمان ،الا انه ونظرا لاهميتها ومااثارته من ردود افعال ، لدى المتطرفين
الفرس ، رايت اهمية نشرها وعرض اهم ما جاء فيها لتعم فائدتها متابعي موقع دراسات
الاهواز سيما والمقالة رغم مرور عدة سنوات على نشرها لاتزال تتمتع بكل مصداقيتها وحيوتها ، ومن يقرا
هذه المقالة بتمعن ويقارن بين ماجرى
ومايجري يدرك جيدا ان الخاتمية استنفذت كل فرصها ووصلت الى الطريق المسدود. (
المترجم )
يبدأ السيد يوسف
عزيزي مقالته بالتطرق الى ما يطرح اليوم بشان المجتمع المدني والاراء التي تطرح
حوله حيث يرى : ان آراء كثيرة طرحت بشأنه وادلى العديد من الكتاب والباحثين كل منهم بدلوه محاولين ايجاد شرح واف لهذه المقولة ، ونحن هنا لسنا بصدد
دراسة المجتمع المدني اوايجاد تعاريف له ، وانما يهمنا هو التركيز على جانب من
جوانبه وهو جانب القوميات في ايران وموقف الدستور الايراني منها .
قبل ان ننطلق في
البحث عن المصادر التاريخية والدراسات العلمية حول القضية القومية وابعادها
الثقافية والاجتماعية، هناك سؤال يطرح نفسه وهو كيف يتسنى لنا اقامة قواعد المجتمع
المدني قبل ان نبحث بشكل عميق في مشكلة قديمة تخص اكثر من من نصف السكان في ايران ؟
وكيف نجد الوسائل والسبل القانونية لحلها
؟ .
اذا استقرينا البحوث
والدراسات وماكتب حتى الان حول المجتمع المدني نادرا مانجد الاجابة الشافية علىهذا
السؤال الهام حول موضوع المسألة القومية ،
او التطرق الى المجتمع المدني من هذا المنظور ، وكانما الحديث حول هذا الموضوع يعد من المحرمات ، لذلك
ساحاول في مقالتي هذه ان ارفع الستار عن هذا المحرم " التابو " لانني اعتقد ان
اسدال الستار على مسألة بهذه الاهمية والحساسية لم يعد عملا عقلانيا ، وستترتب عليه
عواقب وخيمة لاتحمد عقباها ، لان الغالبية العظمى من المواطنين وحتى عدد كبير من
الباحثين ليس لديهم المعرفة العلمية الدقيقة عن المشكلة القومية في ايران
.
بعد انتصار الثورة
في ايران وعلى الرغم من الضجة الكبيرة التي اثارتها الاحزاب والمنظمات السياسية
الايرانية ، الا انه لم تقدم بحوث جادة حول المسالة القومية في ايران وانه وان كان
يقال ان بحوثا قيمة قد نشرت حول هذه المسالة في السنوات الاخيرة في خارج البلاد.
مما لاشك فيه ان
تنوع الطبيعة الجغرافية والثقافية واللغوية جعل من ايران
قارة في بلد واحد وبعبارة اخرى بلدا متعدد القوميات ، فلا غرابة ان نرى ان وزارة
السياحة الايرانية قد رفعت شعار"قارة واحدة في بلد واحد " .
ان مايقارب نصف سكان
ايران يتكلمون الفارسية ، الا ان 15% منهم يتكلمون بلهجات مختلفة ، وهذه اللهجات في
الاساس غير مفهومة لمتكلمي اللغة الفارسية نفسها ، ومثال على ذلك اللهجة "
السمنانية " واللهجة " السنكسرية " التي تختلف كثير عن اللهجة " الشهر ميزادية " ،
في حين ان متكلمي هذه اللهجات لايبعدون عن بعضهم البعض الا بضعة كيلو مترات ، كما
ان 25% من سكان ايران يتكلمون اللغة التركية ، و11% منهم يتملمون اللغة الكردية ،
و6% يتكلمون اللغة العربية و3% يتكلمون اللغة البلوشية ,3% يتكلمون باللغة
التركمانية .
وتبقى اللغة
الفارسية منتشرة بصورة اساسية في المناطق الرئيسية من ايران ويتحدث بها سكان كل من
مشهد ،كرمان ، يزد ،اصفهان ، شيراز ،
كاشان ، طهران ، قم ، همدان ، واراك ، اما المناطق المحيطة بهذه المدن ، فتتكلم
بلهجات مختلفة ، حيث يرى بعض الباحثين ان هذه اللهجات هي خليط من اللغات الايرانية
والهندية ، في حين يعدها البعض لهجة من لهجات اللغة الفارسية ، وهناك صعوبات جمة
يواجهها الباحث حول متكلمي اللهجات ، منها عدم توفر الاحصائيات الموثوقة ، كما ان
احصائيات اعوام 1335شمسية 1956 / و1350ش 1966م و 1355ش 1971 م و1375ش 1997 م اهملت
متكلمي مختلقف القوميات في ايران .
لقد وزعت هام 1365ش
1986 استمارة من اجل معرفة تعداد
المواطنين من ابناء القوميات في ايران الا انها لم توزع واسدل الستار عليها حتى
يومنا هذا .
تحتل ايران من حيث
مقولة التنوع اللغوي المرتبة 16 حيث يتكلم 24% لغة موحدة في حين يتكلم السكان في
الكوريتين 100% لغة موحدة ، وتحتل المرتبة 135 وتانزانيا 71%
.
ان التنوع اللغوي
لمختلف الاعراق في ايران يعتبر مؤشرا لوضعهم الاجتماعي ، فالبختياريون والقشقائيون
، يعيشون بشكل قبلي وعشائري ومنهم من هم بدو رحل ، ويتكلم الزرادشتين اللغة
الفارسية الا سكان يزد تختلف لهجتهم مع
اقرانهم في الديانة الساكنين في مناطق اخرى من ايران ويتكلم اليهود الفارسية اما بقية القوميات فقد
اشرنا لها من قبل .
لقد اكدت بحوث
المؤرخين ، ان ايران عبر مختلف مراحل
التاريخ سوءا قبل سيطرة الآريين او قبل الاسلام ، وايران الاسلامية حتى نهاية العهد
القاجاري ، وايران المرحلة البهلوية وايران الجمهورية الاسلامية ، قد سكنتها اقوام
مختلفة ، وفي اي من هذه المراحل لم يسكنها
عرق واحد بمفرده ، وانما كان سكانها عبارة عن خليط غير متجانس من المجاميع البشرية ، لذلك فان ايران اليوم
والتي هي في الواقع بقايا مجتمع قديم لا يمكن استثنئها من هذه الحقيقة وحسب ، وانما تعتير مثالا بارزا على ذلك ، فلا يحدد
اليوم المجتمع الايراني ب"الاري وغير الاري " ،لان هذه الجماعات بحد ذاتها، لا تتمتع بالتجانس
الكافي ، وعلى اى حال فقد بين احد الباحثين الايرانيين، ان هناك ثلاثة انواع مما
يسمون بالاعراق او الجماعات في ايران و هذه الجماعات هي :
- جماعات الآريين : وتشمل الافغان ، الهزراره ، البلوش
، البختيارية ، سكان محافظة فارس ، الاصفهانية ، الكرمانية ، اليزدية ،
الجيلانية ، الطاليش ، المازندرانية ،الاكراد ،اللر ، وهنا يمكن اعتبار الاكراد
واللر مجموعة قومية لها مقوماتها ، الا انه لايمكن اعتبار الكرماني او الاصفهاني او
مواطن محافظة فارس على انه آري بالمفهوم العرقي .
-
الجماعات غير الآريين : وتشمل
الاتراك ، القشقائيون ، التركمان ، المغول، والارمن ، واخيرا الاقوام السامية ، ونعني بهم العرب
واليهود والاشوريين .
-
الجماعات المختلطة : وتتكون هذه الجماعات من الاقوام التي سكنت ايران على مدى
التاريخ ، وجاء تكونها كمجموعات عرقية اوقوميات
جديدة اثر الزواج والمصاهرة، كما
هو الحال بالنسبة للسادة اللذين ينتهي نسبهم بالامام على بن ابي طالب ، ومن ثم الى
النبي محمد ( صلى الله عليه وسلم ) حيث يوجد هولاء السادة في اوساط مختلف القوميات
المسلمة ، من فرس ، ترك ، طاجبك ، جيلانية ، مازندرانية ، وغيرها من الاقوام
الايرانية ، في حين انهم وكما اشرنا ينحدرون من قومية عربية .
لقد كانت ايران وفي المرحلة التي سبقت استيلاء رضا شاه
البهلوي على الحكم ، تتكون من مجموعة ولايات متصالحة ، تسمى ب " ممالك محروسة ايران
" حيث قام رضا شاه بانهاء هذا النظام الاتحادي ، الذي كان قائم بين مختلف القوميات
والشعوب ، واقام محله " الدولة القومية " ، لا بل الاسوء من ذلك ، انه حولهاالى
دولة ملكية تستند على مفهوم العنصر الآري ، القائمة على التميز العنصري بين
القوميات الايرانية .
ان هذه السياسة وهذا
النهج العنصري لم يكن بوسعه توحيد القوميات وحسب ، وانما ادى الى اتساع
الهوة والتباعد بينها وبين النظام القائم والى ايقاظ الحس القومي لديها
.
لقد استعان رضا شاه
بجنرالاته الفاشيين من امثال شاه بختي لضرب العرب الاهوازيين اولا ، ثم الاتراك في
اذربايجان والاكراد في كردستان ثانيا . وواصل من بعده ابنه محمد رضا شاه حيث سار
على نهج ابيه مستندا على جنرالاته كفضل الله زاهدي ، وآريانا ، وعشرات الضباط
المدعومين من قبل بعض المثقفين الفرس والاحزاب اليمينية القومية ، والمنظمات
السياسية التي تسير في فلك النظرية الآرية مثل "حزب سومكا " والاحزاب العنصرية التي
تربط نفسها بالامة الايرانية بضرب
القوميات الايرانية واضعف لغتها و ثقافتها
،مستندين على العنف والقمع والتمييز العنصري ، وبذلت هذه الاحزاب جهودا حثيثة من
اجل الغاء بعض المواد الواردة في دستور "ثورة الدستور" والمتعلقة بمسألة القوميات
في ايران ، ، حيث كلنا يعلم ان صياغة ذلك الدستور، جاء نتيجة المشاركة الفعالة للاذريين في ثورة
الدستور " المشروطة " ، فقد تضمن الدستور مادة تتعلق بتشكيل مجالس الايالات
والولايات ( اللامركزية ) و"المجالس المحلية "
للحد من تمركز السلطة الا ان هذه المادة لم ترى النور ابدا
.
لقد كان المجتمع
الايراني وفي العهد البهلوي ، مبنيا اساسا على سياسة احادية الجانب ، تقوم على صهر
القوميات الايرانية في بوتقة القومية الفارسية .
مما لاشك فيه ان كل
منصف للتاريخ الايراني الحديث يشهد ان
للقوميات الايرانية وفي اوقات حرجة من تاريخ ايران مواقف مشرفة في الدفاع عن
السيادة الوطنية وعن الحرية ، والتدخلات الاجنبية ، ومثالا على ذلك الشعب الآذري في
آذربايجان الذي ساهم مساهمة فعالة في قيام ثورة المشروطة " الدستور " والدفاع عنها
، وكذلك تصدي الشعب العربي الاهوازي،
للغزاة البريطانيين في واقعة المنجور الشهيرة اثناء الحرب العالمية الاولى ، وخلافا
لما يعتقد بعض المنظرين الفرس من انصار النظرية الآرية ، لم يدافعوا عن الحكام
المستبدين والشوفينيين مثل رضا شاه وولده من بعده .
لقد عبرت المسالة
القومية عن نفسها وبعد انهيار النظام الديكتاتوري البهلوي باشكال مختلفة وكان هذا
التعبير بارزا في كردستنان و آذربايجان
ولكن في تلك المرحلة لم يكن النظام القائم بقادر على حل هذه المعضلة الهامة
، ولا الاجواء الناجمة عن الحرب الباردة
انذاك وتنافس القوتين العظميين ساعدت على ذلك . وهكذا بقيت القضية القومية وبعد
سقوط حكومة مصدق ، كالنار التي تستعر تحت الرماد، وقد عبرت عن نفسها مرة اخرى وبقوة
بعد رحيل الشاه وقيام ثورة شباط فبراير عام 1878.
يطالعنا التاريخ
الايراني والعالمي المعاصر ، ان هذه المعضلة ، معضلة مدنية ، لايمكن حلها عن طريق العنف والقمع، وانما تحل عبر السبل
والوسائل الديمقراطية والحضارية
يبدو لنا ظاهريا ان
القائمين على الامر يسعون في الوقت الراهن في تنفيذ المواد المتعلقة بالمجالس خلال
الاعوام القادمة فاذا تم ذلك تعتبر هذه خطوة هامة على طريق تأسيس المجتمع المدني
وتبقى هذه الخطوة ناقصة اذا لم تقترن بخطوات اخرى مثل الاعتراف بنشاط وفعالية الاحزاب والمنظمات السياسية والمهنية المستقلة
المستقلة ، والسماح بحرية التعبير والتعددية السياسية ، وخلاف ذلك يبقى المجتمع المدني اعرج يسير على قدم
واحدة اذا لم تنفذ المادة الخامسة عشرة من
الدستور التي تلبي جزءا يسير من الحقوق القومية .
الاان المسؤولون
الايرانيينن قد اعطوا وحتى الآن الآذان الصماء لمطاليب القوميات وبقيت اقوالهم في
واد وافعالهم في واد اخر . وفي خطاب القاه خاتمي اثناء حملته الانتخابية الثانية في
مدينة سنندج حيث تطرق الى الحيف الذي لحق بالاكراد وتهميش دورهم في المشاركة في
اتخاذ القرار السياسي .
لقد طرحت المسالة
القومية من قبل بعض المسؤولين الايرانيين في السنوات الاولى والثانية من الثورة ،
وفي مقابلة صحفية اجرتها صحيفة سلام في تموز "يوليو " من عام 1997 مع عضوا من
مركزالدراسات الاستراتيجية ، اكد فيه على ضرورة اعطاء الحقوق القومية ، لا بل توسع
هذا المسؤول اكثر في الحديث ودعا الى
اقامة نظام فيدرالي في ايران ، وبعد فترة تحدثت وسائل الاعلام عن مشروع حول القوميات في ايران ، يقال انه قد
اقر من قبل " مجلس تشخيص المصلحة " الا ان بنود هذا المشروع بقيت طي الكتمان ولم
يتم الحديث عن محتوياته او الاطلاع على فحوى مواده .
خلال السنوات
الاخيرة حاول عدد من الباحثين ازاحة الستار عن هذا المحرم "التابو " وقدموا بحوثا
حول المسألة القومية ، ، كما تناولت مجلة
" نكاه نو " النظرة الحديثة وكذلك الفصلية " كفتكو" الحديث هذه المسألة الاجتماعية
الثقافية الهامة ان هذه البحوث تبقى
احادية الجانب مقرونة بالتعصب القومي ، وتفتقر الى الدقة العلمية والموضوعية
والمصداقية ، يحاول كتابها وضع العصى في عجلة حل المسألة القومية ، وما يدعو للاسف
ان بعض وسائل الاعلام الايراني ، سواءا بحسن نية وبسوء نية نشرت مثل هذه البحوث
التي تسئ الى القضية القومية ، لا بل الانكى من ذلك امتنعت من نشر الاعتراضات التي
حاول اصحابها الرد على مثل هذه البحوث .
ومما يبعث الامل في
النفوس ان بعض التيارات الدينية قد انتبهت الى موضوع المسألة القومية حيث كان هذا الطرح مقتصرا فيما مضى على
الاحزاب اليسارية فقط .
مما لاشك فيه ان عقد
اجتماع لطاولة مستديرة يضم المفكرين
والطلاب الجامعيين ، وعقد الندوات التلفزيونية من شانه ان يزيل الغموض وسوء
الفهم ويوضح الكثير من جوانب القضية القومية .
انتهت
.