تنتشر هواية تسلق الجبال بين أهالي طهران، هرباً من صخب المدينة الضخمة التي كثيرا ما تعيش حالة الإنذار نتيجة إرتفاع تلوث الهواء. ويلجأ اهالي المدينة من مختلف الأعمار الى أحضان الطبيعة الخلابة في جبال "دربند" و "دركة" في الصباح الباكر، ويعودون الى بيوتهم مع غروب الشمس. ويمضي بعضهم الليل هناك في الخيم المحمولة او الملاجئ التي خصصتها منظمة الرياضة للراغبين بالمبيت في الجبال.
وأصبح مسير التسلق في جبال طهران معبّدا بالاقدام التي وطأته منذ سنين، كما هنالك محطات للاستراحة في وسط الطريق تضم مطاعم تقدم المشويات للمتسلقين.
ويستغل اصحاب هذه المطاعم البغال لنقل ملزمات مطابخهم الى أعلى الجبل. المحطات الاولى للاستراحة يبلغها المبتدؤون اما القمم يفتتحها الراسخون في التسلق.
ویستغرق الوصول الی قمم الجبال الشمالية في طهران عادة اربع ساعات، تنعم العين خلال هذه المدة بالمناظر الجميلة للأنهار والأشجار المنتشرة على حافتي الطريق.
وتعد القرى الجبلية في شمال طهران محطة ايضا للدبلوماسيين والسواح الاجانب حيث مطاعم الكباب والهواء النقي والمقاهي التراثية.
وتشكل هذه الرحلات متعة للعين وهدوءا للأعصاب في المدينة التي اصبحت المشاكل، الناجمة عن ارتفاع عدد السكان، لا تعد ولا تحصى.
تسلق الجبال والسياسة
للسياسة نصيبها ايضا في البرامج التي ينظمها المتسلقون حيث الهواء الطلق والاجواء البعيدة عن أعين الرقابة، في بلد يناضل اهله من اجل الحرية منذ عقود طويلة.
إذ يلتقي النخبة من كتاب وصحفيين وطلبة جامعات في الجبال، ويدور هناك حديث الساعة الذي يطول هذه الايام في ظل الازمة السياسية التي تعصف بالبلاد منذ ستة أشهر.
وتطلق السلطات دوريات تسميها "شرطة الجبال" لمنع التجمعات، ليس السياسية منها فقط بل الاحتفالات التي تجمع الشباب والفتيات ايضا بمناسبات مختلفة منها أعياد الميلاد أو التخرج من الجامعات.
وتنظم ميلشيات الباسيج العائدة للحرس الثوري رحلات جبلية ايضا، فلهم ملاجئ خاصة بهم فوق الجبال الشمالية لطهران يحيون فيها مراسم الدعاء ويستمعون لذكريات قادتهم من ايام الحرب مع العراق، اما اليوم فيروج العسكر لكون البلاد تخوض "حربا ناعمة"، فتشكل الرحلات الجبلية فرصة لتلقي الأوامر التي تملى على الباسيج لدعم معسكر المحافظين والتصدي للمعارضة.
وفي فترة الانتخابات تصبح الجبال الشمالية لطهران مسرحا مهما لتنافس المرشحين لكسب اصوات الناخبين. فترى من يوزع صورا و بيانات ومن يلقي خطابات من فوق الصخور التي تتحول الى منابر حرة.
كما ينشر البعض بيانات معارضة للحكم، ويضعها على حافتي الطريق لتقرأها حشود المتسلقين.
الجبال والنشاط المسلح
وكان لليسار الايراني حصة الاسد في الترويج لثقافة تسلق الجبال، ويروي القدامى من المتسلقين أن السافاك (وهي تسمية تطلق على الأمن الايراني أيام حكم شاه ايران)- كان يلاحق المعارضين الذين ينظمون اجتماعاتهم في الجبال بطائرات سمتية وقُتل البعض منهم خلال ملاحقة قوات الكوماندوس لهم.
وكانت اولى حروب العصابات في ايران قد نظم لها الشيوعيون في الجبال والغابات الواقعة في "سياهكل" شمالي البلاد في عام 1963 عندما قررت مجموعة من منظمة "فدائي الشعب" تنظيم عملية مسلحة ضد حكم شاه ايران من هناك وبعد أسر أحد رفاقهم و إحتجازه في مخفر في "سياهكل" إقتحم 13 منهم المخفر لتحرير رفيقهم خشية تفشي اسرار حركتهم. ورد الشاه على العملية بقسوة عندما أوفد اخاه على رأس قوات خاصة.
وانتهت العملية بقتل عدد من عناصر الامن و30 شخصا من مجموعة "فدائيي الشعب" و أسر 11 منهم أعدموا جميعا رميا بالرصاص.
وظلت عملية "سياهكل" رمزا للنضال ضد الإستبداد ومنها كانت الرحلات الجبلية للنشطاء السياسيين تشكل مصدر وجع لرأس شاه ايران.
ورغم مرور عقود متعددة من هذا الحدث الا ان بعض المتسلقين يرددون أناشيد ثورية في رثاء "أبطال سياهكل".
وبعد الاطاحة بالحكم الملكي ظلت اجزاء من الجبال الشمالية في طهران مغلقة بوجه المتسلقين بسبب إشرافها على بيت مرشد الجمهورية السابق آيت الله الخميني خشية قصف بيته بقنابل الهاون في فترة شهدت البلاد عمليات اغتيال وانفجارات طالت قيادات سياسية في الحكم الجديد.
جميع الحقوق محفوظة لقناة العربية © 2010
http://www.alarabiya.net/save_print.php?print=1&cont_id=97724