|

عبدالله بشارة : الأمين العام الاسبق لمجلس التعاون الخليجي
لم يصدق الرئيس الإيراني أحمدي نجاد، فرصة الاستثمار السياسي التي جاءته من الدوحة للمشاركة في قمة مجلس التعاون الثامنة والعشرين، ولم يترك هذه الفرصة النادرة تفلت منه وهو الذي وضع الحوار المستمر مع مجلس التعاون من أبرز أولوياته الاستراتيجية، وعلى صدر اهتماماته. واقتنص الرئيس أحمدي نجاد هذه الالتفاتة والمكرمة وعرف كيف يوظفها لأدبياته السياسية التي يرددها دائما في إبراز النوايا الحسنة والصداقة والتعاون مع دول المجلس. كما أجاد الرئيس الإيراني في سعيه لإبعاد المضايقات التي توجد على لائحة الشكوك بين إيران والمجلس، فلم يهتم بواقع الجزر الاماراتية، فهي لا تشكل له قلقاً ولا يضعها في الاعتبار. ولم يتطرق الى برنامج إيران النووي والنزاع المستمر حوله في اطار وكالة الطاقة وفي مجلس الأمن الدولي، وانما بدأ خطابه أمام القادة بالشكر للخالق العظيم الذي هيأ له هذه الفرصة للاجتماع مع (خواني وأشقائي) ويدخل في خطابه ـ من أجل التطمين ـ المشتركات الدينية والتاريخية والجغرافية والثقافية التي توفر الفرص الجيدة لتوطيد وتنمية العلاقات الأخوية. كما يتحدث عن الشراكة التاريخية لأن للطرفين أعداء وأصدقاء مشتركين: (نحن شركاء مع بعضنا البعض في السراء والضراء) ويطالب الرئيس الإيراني بتوطيد السلام والأمن الشامل القائم على العدالة والمحبة دون تدخل العوامل والأيدي الأجنبية. وبعد هذا المدخل الناعم يعرض الرئيس مقترحاته المكونة من اثنتي عشرة مادة، يمكن أن نقول بأنها خطة إعلامية وسياسية للعلاقات العامة والدعاية، وهي مقترحات أبرز شروطها لكي يؤخذ جديا ارتكازها على قواعد راسخة ومطمئنة فيها ثقة وحسن جوار والتزام بضوابط السلوك العاقل والسلمي والبنّاء بين الطرفين. ومن المناسب ابداء بعض الملاحظات: أولا: حقق الرئيس أحمدي نجاد فوزا سياسيا وإعلاميا ودعائيا لم يتوقعه، وأستطيع القول لا يستحقه، بمشاركته في قمة قادة دول مجلس التعاون، فقد جاءت مشاركته في قمة الدوحة وسط نقد عالمي حاد وسخط اقليمي ضد دبلوماسية إيران التي عملت كل ما في وسعها لتقويض فرص نجاح مؤتمر السلام في أنابوليس، الى حد توبيخ سورية لمشاركتها، مع صدور بيانات غضب وشجب لكل من شارك في المؤتمر من دول العالم ومن المنطقة، وفوق حملات التخريب ضد مؤتمر السلام، جاءت مشاركة أحمدي نجاد في توقيت يمنحه الدعم بعد أن بدأت المجموعة الأوروبية وبدعم من الولايات المتحدة تتجه نحو مجلس الأمن لفرض عقوبات اضافية في ضوء الاخفاق الذي نتج عن المباحثات بين المجموعة الأوروبية المكلفة وممثل إيران. لم يتوقع الرئيس الإيراني أن تفتح له أبواب قمة الدوحة في تلك الأجواء التي وضعت فيها دبلوماسية إيران تحت مجهر التدقيق والتحليل بعد أن فقدت مصداقيتها. ثانيا: ليس في البرنامج الذي قدمه الرئيس أحمدي نجاد للقمة ما يغري للنظر بجدية فيه، قبل أن تحقق إيران مطالب مجلس التعاون منها، وأبرزها تبني دبلوماسية سلمية ومتعايشة مع الأسرة العالمية، واخراج الأيدلوجيات من السلوك الإيراني، واغلاق ملف الجزر، وتقديم شهادة حسن سلوك في العراق وفي الشرق الأوسط، والالتزام بحقائق المنطقة وأبرزها أبعادها الدولية. والواقع أن الرئيس الإيراني ـ في مقترحاته ـ يريد تشييد نظام أمني جديد ومغلق ومحلي للمنطقة، في تحد واضح لواقعها وأبعادها، بينما مصلحة دول المجلس تكمن في الحفاظ على مكانتها العالمية. وجاء قرار قمة الدوحة مناسبا في تأجيل النظر فيها الى مرحلة تظهر فيها إيران انسجامها مع ضوابط السلوك الدولي، وهو أمر مستبعد في هذه الظروف. ثالثا: يمثل الرئيس أحمدي نجاد القوة الخشنة التي تعمل على اضعاف قواعد نظام الاعتدال الاقليمي، وهو صوت التحريض ضد المعتدلين، وأبرزهم دول المجلس ومصر والأردن، وهو الممول السخي للحركات المعارضة لمسيرة أبومازن ونهجه العقلاني، واذا كانت الثورة الإيرانية قد نجحت في انشاء محطات سياسية لها في لبنان وفي حماس وغزة وسورية، وتبذل جهدها لبناء شبكة مؤيدة في الخليج، فلا يعني ذلك التبرع بما يدعم استراتيجيتها في تخريب التوجهات نحو الحلول السلمية خاصة بعد أن أصبحت المفاوضات والعمل السلمي الخيار الاستراتيجي للدول العربية، وأبرزها قائمة الاعتدال. دبلوماسية إيران في صراع مع المجتمع الدولي، في أهدافها وفي أسلوبها، فاذا كانت الأهداف هي دفع القوى الرافضة وتشجيعها وترسيخ المواجهة، فان الأسلوب المتبع لاسيما في البرنامج النووي الإيراني هو التعتيم والتضليل، فلا توجد شفافية في تعاملها مع وكالة الطاقة الدولية، ووجود التعتيم بكثرة وبتواصل، وبغطاء يعمل للاستفادة من الوقت والتسويف والتأجيل. من حق دول المجلس كما يقول ـ رئيس وزراء قطر ـ الشيخ حمد بن جاسم في المؤتمر الصحافي الذي أعقب القمة، حيث يقول بأن دول الخليج هي دول مجاورة لإيران، ومن المهم ازالة أسباب التوتر معها، وأن دول المجلس لا تسمح بأي توتر مع طهران، ونبه الى أهمية عدم الانسياق وراء استراتيجيات دولية، مطالبا بتحكيم العقل ومصلحة دول مجلس التعاون في التعامل مع إيران. والمطلوب في اطار الحفاظ على الأمن والاستقرار في منطقة الخليج الحيوية، وفي تجنب الانجراف وراء مخططات عالمية، أن تتعاون إيران مع وكالة الطاقة الذرية وتظهر الشفافية بدلا من التعتيم، وأن تكف عن تقويض مساعي المصالحة والتوافق في العراق، وأكثر من ذلك أن يتم جديا النظر في الخسائر التي تتكبدها إيران من الانسياق وراء فرض التطرف والسعي لبناء منظومة سياسية أيدلوجية متطرفة في الشرق الأوسط تعارض ما تريده المجموعة الدولية بما فيها دول مجلس التعاون. هذا هو الأسلوب المقبول لإبعاد التوتر، ونحن نعرف الالتزام الأيدلوجي الإيراني بمعارضة دبلوماسية أوروبا وأمريكا، ولا نتوقع أن تتبدل إيران في تعاملها سواء في الشأن الاقليمي أو العالمي. تتصور إيران بأن على ظهرها مأمورية خاصة أنيطت بها من أصوات المظلومين في العالم الذين يعانون من المآسي ومن استغلال المتكبرين، فإيران ذراع المستضعفين، ولن تثنيها عن القيام بهذه المأمورية الاغراءات التي تقدمها العواصم الأوروبية، وتطمع إيران أن ترافقها دول المجلس في مأمورية المواجهة والاستنزاف. كنت أتابع خطاب الرئيس أحمدي نجاد في قمة الدوحة، بشعور المتسائل عن كيفية الاختراق الذي كسبه الرئيس أحمدي نجاد، بعد أن ظل الجدار الخليجي صلبا طوال هذه السنوات. من الخطأ النظر الى إيران كوحش كاسر لا جدوى من الحديث معه، وهي ليست ذلك الوحش، ولكنها ليست تلك الغزالة الناعمة التي تنثر الخير في كل خطواتها. إيران لها شهية تتجاوز حدودها، ومسؤولية دول الخليج أن تسدي النصح لمخاطر تلك الشهية التي تريد أقداما في لبنان وغزة، وفي كل المواقع التي تجدها مغرية، فالمغامرات ستضر إيران، وستمس دول الخليج، وصوت الخليج لا بد أن يرتفع بالنصيحة الصادقة ضد دمار المغامرات، ونأمل أن نرى نتيجة المشاركة في قمة الخليج، في اصلاح واعمار إيران )لسياسي والدبلوماسي(، وخروجها النهائي من الأسر الأيدلوجي . رئيس المركز الدبلوماسي للدراسات * الوطن الكويتية* |